مواضيع مختارة

***

ساهم بالتصويت

من يتحمل مسئولية عدم الاتفاق الفلسطيني
حركة فتح
حركة حماس
انظمة عربية
ايران وسوريا
اميركا واسرائيل

إصدارات : حصار كنيسة المهد ، وقائع تنشر لأول مرة

فيض الذاكرة

إلى أنصار السلام والقوى الديمقراطية اليهودية في إسرائيل

د. فاضل الخطيب - النظام السوري غير قابل للإصلاح

دراسات : هل حقا أن القرآن دستورنا؟!
بواسطة Alhares في 30/03/2008 1:11:02


بقلم: / محمد صبحي السويركي
أسئلة يجيب عليها المقال:
1. هل الفكر الديني هو سبب تخلفنا؟
2. فهل لاحظنا أن شعار "القرآن دستورنا" هو أبعد ما يكون عن التوصيف الصحيح لعلاقتنا بالقرآن الكريم؟!
3. كيف شكلت واقعة التحكيم بين علي ومعاوية بداية لتمزق النص بين المتخاصمين؟



4. كيف لآيةٍ واحدةٍ أن يستشهد بها ظالمٌ ومظلوم؟ وكيف بنصٍ وحيدٍ أن يحتمل المعنى ونقيضه في نفس الوقت؟!
5. هل صحيح أنك تستطيع أن تجد في تاريخنا ما شئت من الفتاوى لما شئت من الأحوال!
6. هل يمكن للمسلم المعاصر أن يعيد تلاحمه مع الحياة بعد أن طال انسحابه منها بسبب فهمه السقيم للقرآن والإسلام!
ما دور ثقافة "التراكم" في إنتاج حالة العقم الإسلامي وهل يمكن كسر الحلقة المفرغة وكيف؟

لقد قدر لي الاطلاع على مقال بعنوان: "الياهو فينوجراد والثقافة الإسلامية" لأخي وصديقي الأستاذ/ مروان أبو شريعة، والذي أطلق من خلاله مجموعة من المقارنات الحارقة بين الثقافة الفلسطينية (بصفتها ثقافة إسلامية) وبين الثقافة اليهودية، حيث بيّن من خلال المقارنة الاختلال الكبير بين الثقافتين؛ نتيجة غياب منهج المراجعة والنقد لدينا، واستحكام مناهج وطرق جعلت المسلم المعاصر يتعامل مع الأحداث بإرادة غائبة، مكنّت للمصائب من أن تسقط فوق رأسه وكأنها قدراً مقدوراً..!

ولابد من الاعتراف بأن مناقشة مسائل لها علاقة بالنص الشرعي على الملأ إنما تحمل مخاطر كبيرة، خشية التباس ما أردناه بما يعتقده ويظنه ويفهمه البعض، ونظراً لما تتمتع به هذه المسألة من أبعاد عاطفية لا تنكر، لارتباطها بالقرآن الكريم أقدس مقدسات الإسلام والمسلمين.

لكنّ تحفظنا من تناول الموضوع لا يمنع من طرح بعض الأسئلة التي باتت الإجابة عليها مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلم المعاصر، من نوعية: هل الفكر الديني هو سبب تخلفنا؟

ولإيماننا بوجود خلل ما سببه المسلمون أنفسهم (وليس النص الديني في حدّ ذاته) فقد تصدينا للإجابة على هذا السؤال.. وسنتعرض لهذه المسألة من عدة جوانب.

القرآن دستورنا..!

"القرآن دستورنا".. مقولةٌ شائعةٌ يعبر بها البعض عن مكانة القرآن الكريم في الحياة الإسلامية، لكنّ كثيرين يجهلون أننا حين نطلق هذا الوصف على القرآن الكريم فإننا ساعتها لا نكون قد وفيّناه حقه ولا أسدينا له جميلاً. ولعل طريقة تعاملنا مع القرآن الكريم (على اعتبار أنه "دستور") كان لها أبلغ الأثر في حرف الحياة الإسلامية عن مسارها الذي كان يتوجب أن تسير فيه، فهل لاحظنا أن هذا الشعار هو أبعد ما يكون عن التوصيف الصحيح لطبيعة العلاقة التي كان يجب أن تربطنا بالقرآن الكريم؟!

فالدستور ،بطبيعته، عبارة عن نصوص قانونية واضحة ومحددة المضامين لا يمكن الاختلاف حول مدلولاتها، بينما القرآن الكريم عبارة عن نص ديني "حمّال أوجه" هو بطبيعته قابلٌ للتأويل والاجتهاد. لذا فإن من شأن التعامل مع القرآن الكريم على أساس أنه "دستور" (نصوص قانونية واضحة ومحددة المضامين لا يمكن الاختلاف حول مدلولاتها) أن يتعارض مبدئيا مع طبيعة النص القرآني الكريم؛ الذي علم بالضرورة أن (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)(آل عمران:7).

ونظرا لهذه الطبيعة المزدوجة للنص القرآني (من حيث وضوح معانية ومراميه) والتي تترواح بين "الإحكام" تارة، و"التشابه" تارة أخرى؛ فإن هناك ضرورة موضوعية لأن يتم التعامل مع القرآن الكريم بشكل متخصص يتيح إمكانية التفريق بين ما هو "محكم" منه وما هو "متشابه" لاشتقاق ما يحتويه من أحكام تصلح لأن تكون سنداً قانونياً سليماً لواقع إنساني معاش، وهو ما لم يحدث بالشكل الصحيح على امتداد حياة المسلمين!.

واقعة التحكيم وأثرها في تمزق النص!

مما يرويه التاريخ أنه وعقب مقتل عثمان رضي الله عنه تولى الأمر عليٌ بن أبي طالب الذي قام بتعيين ولاة جدد، لكن الوالى الذى أرسله عليٌ كرّم الله وجهه إلى الشام لم يتمكن من استلام عمله؛ حيث تصدّى له أنصار معاوية بن أبى سفيان (والى الشام من أيام عثمان رضى الله عنه) وأخرجوه من البلاد، ورفض معاوية مبايعة عليٍّ للخلافة، واستمر على ذلك مدة ثلاثة أشهر، فأخذ عليٌ بن أبى طالب يُعد جيشاً قويّاً لغزو الشام، وعزْل معاوية بن أبى سفيان عنها؛ ولما تحقق عليٌ من عدم استجابته (معاوية) لدعوته وتأهبه للقتال، سار من الكوفة لردعه، والتقى بجند الشام وعلى رأسهم معاوية بن أبى سفيان؛ حيث دارت بين الطرفين مناوشات يسيرة فى سهل "صفين" فى ذي الحجة سنة 36هـ، واشتعلت نار الحرب بين الفريقين أياماً متوالية وزحف علىٌّ بن أبى طالب بجنده على جند معاوية بن أبى سفيان الذين رفعوا المصاحف على أسنّة الرماح وقالوا: "هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم" فلما رأى أهل العراق المصاحف مرفوعةً قالوا: "نجيب إلى كتاب الله".. أ هـ.

حين يُجعل القرآن طرفاً في الصراعات..!

ولنا أن نعجب من الطريقة التي أُقحم من خلالها القرآن الكريم في صراعٍ سياسيٍ نصفُ أهله على خطأ (أو باطل) ونعلم أن الناس وقت الصراعات لا تحفل بالحق إلا إذا كان في صفّهم {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}(النور:49) وأنهم ساعتها يكونون أكثر ميلاً للمحاورة والمداورة وابتداع المكائد! لذا لم تكن النتيجة التي وصل إليها الطرفان من خلال تحكيم القرآن لتفاجئ أحداً؛ حيث انتصر الخداع!

وما نود الخروج به من هذه الواقعة هو أن القرآن الكريم (بطبيعته) لا يمكن أن يبدأ دوره في حسم النزاعات بعد نشوبها، فوظيفته الطبيعية في حياة المسلمين يجب أن تبدأ بعد أن يتم تفريغ مضامينه ومعانيه ومراميه وسياقاته في قوالب قانونية يتفق عليها المجتمعُ وهو في حالةٍ من السلم الأهلي التي تضمن حيادية تلك القوانين تجاه الفرقاء، ورضا الجميع بها والتفافهم حولها. وهو ما لم يحدث في واقعة التحكيم؛ وليبقى النص القرآني مثاراً للشدّ والجذب من قبل الفرقاء والأطراف المتناحرة التي يطمعُ كلٌ منها أن يجعل من القرآن الكريم غطاءً يحميه ويخدمه في تحقيق مطامحه ومطامعه المشروعة وغير المشروعة!

واليوم ليس بإمكاننا التنبؤ باللحظة التي حصل عندها هذا الخطأ في حياة المسلمين، لكنّ من الثابت أن رفع القرآن الكريم على أسنّة الرماح طلباً للتحكيم في الخلاف الناشب بين معاوية وعليّ؛ إنما مثّل العلامة الأولى الأشد وضوحاً والتي تمزّق عندها النص بين الفرقاء، وجسدت ذروة التعامل الخاطئ مع القرآن الكريم، وذروة إنزال القرآن الكريم منزلاً ليس من طبيعته. وإلا فكيف لآيةٍ واحدةٍ أن يستشهد بها ظالمٌ ومظلوم؟ وكيف بنصٍ وحيدٍ أن يحتمل المعنى ونقيضه في نفس الوقت؟! اللهم إلا أن يذهب كلا الطرفين (أو أحدهما) بالنص (تأويلا) باتجاه خدمة قضيته؛ بحيث يكون تمزق النصّ ذاته النتيجة الطبيعية لهذا الصراع. وهو ما حدث بالفعل، فواقعة التحكيم تمثل علامة فارقة في تاريخ المسلمين، لحظةً سعى فيها البعض لاستخدام النصّ الكريم كغطاءٍ لأغراضٍ شخصيةٍ بعيدةٍ عن الطبيعة الموضوعية لهذا النص، وللأسف فقد تكررت تلك اللحظة في تاريخنا فيما بعد.

النص المقدس.. طبيعة مزدوجة..!

عند محاولة استشفاف الأخطاء التي حدثت في تاريخنا وعلاقة تلك الأخطاء بفهمنا للنص الكريم؛ فلابد من التوقف عند أمر في غاية الأهمية، وهو "الطبيعة المزدوجة" للنص القرآني بصفته نصاً "عباديا" ذا طبيعة أخلاقية، هذا أولا. ونصاً تشريعياً ذا طبيعة قانونية تجعله قابلاً لاشتقاق "الأحكام" منه. من الناحية الأخرى، فمن المعلوم أن القرآن الكريم هو نصٌ تعبديٌ شفافٌ لا تُقبل الصلاة بدون قراءة شيءٍ منه، فيما هو من الناحية الأخرى: المصدر الأول لاشتقاق الأحكام الشرعية والمواد القانونية الضابطة لحياة المسلمين.

وما بين نشوب الوقائع التي تستوجب الحكم فيها وبين اشتقاق الحكم من القرآن هناك مرحلة لم يتم الالتفات إليها، إذ يجب الانتباه مجدداً إلى أن النصّ القرآني بطبيعته غير واضح المرامي باستمرار، وهو ما وصفه رب العزة بصفة أنه "متشابه" مما يستوجب النظر والاجتهاد فيه لبلوغ معانيه ومراميه العميقة. وهي العملية التي عُرفت بـ "الاجتهاد" لاشتقاق الأحكام الشرعية، في عملية اصطلح على تسميتها بـ "الفتوي" وهي العملية التي انفصلت عن دائرة الحكم السياسي حينا، واتصلت بها وعملت في خدمتها في كثير من الأحيان!.

ومن الواجب الانتباه هنا إلى أن الطبيعة الفردية للفتوى في الغالب (والتي كان يتم من خلالها اشتقاق الأحكام من القرآن الكريم بواسطة أفراد) جعل من الطبيعى على أولئك المفتين ارتكاب الأخطاء، والانحرافات، والتضارب فيما بينهم نتيجة غياب روح المؤسسة.

وفيما كانت الأمور تتم على هذه الشاكلة في العالم السنّي كان العالم الشيعي ،على سبيل المثال، يتمتع بمؤسسة دينية متماسكة تضمن له الحدّ الأدنى من التجانس في الإفتاء، بما يعصمه من التناقض والتضارب المفضي إلى تمزق النص.

وللتأكيد على هذا الأمر؛ يمكن مقارنة ما يحدث في العالم السنّي اليوم من فتاوى فردية (تصل في تأثيرها إلى حدّ الصدمة) بما يحدث في ديار الغرب، ليتضح لنا الفرق بين العقليتين: العربية والغربية، فقد شكّل المسلمون في أوروبا مؤسسة أطلقوا عليها اسم "مجلس الإفتاء الأوروبي" والذي يجتمع بشكل دوري لمناقشة قضايا المسلمين في أوروبا والخروج بتوصيات بشأنها، وهو ما نعتبره الأسلوب الأمثل للإفتاء!

"القبيلة في وجه "المؤسسة"..!

لقد كان من سوء طالعنا مع القرآن الكريم أن نتعامل معه بالطريقة التي تمت بالفعل، حيث أصبح لكل مسلم قناة خاصة تربطه بالقرآن يفهمه من خلالها، وأصبح لكل جماعة اجتهادها المعترف به، وكما يحدث في عالمنا اليوم؛ فإن أي خلاف ينشب بين جماعتين إنما يدفعهما إلى العودة إلى النص ابتغاء تأويله ولي عنق آياته سعيا لإيجاد غطاء ديني للفعل السياسي أيا كان وجه انحرافه، وهي العملية التي يُعتبر أشد وجوهها خطورة أنها تحولت إلى عملية طبيعية مقبولة ومشروعة!

واليوم يبدو جلياً أن طبيعة الاجتماع العربي قد ألقت بظلالها على النص القرآني فحرفته عن وجهته، ففي بيئات قبلية "غير مؤسسة" لم يكن بالإمكان إنتاج مؤسسة دينية تقوم بواجب إمداد الحياة بالمدد السماوي بطريقة صحيحة، واليوم نحاول أن نتساءل: فيما لو تنزل هذا القرآن على الغرب مثلا فماذا كانوا فاعلين؟! فلعلهم حينها كانوا سينزلونه فيما يتوجب له من المقام الكريم، فيمنعونه عن اجتهادات السفهاء، واستغلال الفرقاء، ونزاعات العامة، ولعلهم ساعتها يشتقون منه مواد قانونية واضحة ملزمة تصلح لأن يطلق عليها اسم "دستور" لإدارة مجتمع مدني متحضر بالمعنى المعاصر.

ولو رحنا نتأمل المسيرة القانونية في ديار الإسلام فسنجد أنها تفتقر إلى المعنى الدستوري المعاصر، فتاريخنا الإسلامي مزدحم بالفتاوى الفردية للرد على شتى المسائل الطارئة، لكن يعوزه بشدة المواد القانونية التي تكتسب قوة وأصالة مواد الدستور.

حالة طوارئ "شرعية" وأحكام عرفية مستمرة!

في عام 1981 قام مجموعة من الشباب المصري بقتل الرئيس المصري أنور السادات خلال عرض عسكري بمناسبة انتصار السادس من أكتوبر، ويومها سمعنا الكثير عن حجج قتلة السادات، وبأنه قد تم قتله لأنه لم يحكم بما أنزل الله..

ولو رجعنا إلى النص القرآني الذي دعم به أولئك الشباب حجتهم بمشروعية قتل السادات فسنجد الآيات التي تتحدث عن الحكم بما أنزل الله، وهي كما يلي:

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(المائدة:44)

وسنجد كذلك: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(المائدة:45)

والنص الأخير هو: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(المائدة:47)

والحالة التي نحن بصددها نموذجية في التعبير عما نريد توضيحه من ارتكاز الفتاوى المعاصرة على فهم قاصر ومحدود وغير صحيح للنص القرآني.. فالآيات المشار إليها (والتي برر بها البعض اغتيال السادات رحمه الله وغفر له) إما أنها تتحدث عن بني إسرائيل، وشرائهم بآيات الله ثمنا قليلا، أو تتحدث عن القصاص الواجب في حالات الاعتداء، أو عن أهل الإنجيل (النصارى) وضرورة أن يحكموا بما أنزل الله.. وتختتم المواضع الثلاثة واصفةً من لم يحكم بما أنزل الله بأنه: "كافر" و"ظالم" و"فاسق".. والسؤال الذي نطرحه هنا: من يضمن أن الحالات التي يتحدث عنها القرآن الكريم هنا (بمواضعها الثلاثة) تنطبق فعلا على حالة الرئيس المصري السابق أنور السادات؟!

ولم يكن عجبا أن الجماعات التي قتلت السادات قد عادت لتعتذر عن قتلها إياه واعتباره شهيدا ضمن عملية مراجعة شاملة للأفكار التي قادت أولئك إلى مثل هذا السلوك.

ولم تكن هذه الحالة وحيدة في تاريخنا الإسلامي، فقد عرف صنّاع الأحداث ما للنص الكريم من قيمة في حياة الناس، فسعوا باستمرار إلى إيجاد الغطاء الديني لسلوكياتهم على تناقضها، وإجرامها (بل وهمجيتها في كثير من الأحيان). والثابت أنك تستطيع أن تجد في تاريخنا ما شئت من الفتاوى لما شئت من الأحوال! ابتداء بالدخول في الانتخابات أو الامتناع عنها! وليس انتهاء بعمليات تفجير يروح ضحيتها مئات الأشخاص في كل مرة!. فهكذا قُتل عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.

وهكذا شايع عليا من شايعه، ورفضه من رفضه، وفي زمننا تم تحليل كامب ديفيد مرة، وتحريمها مرة أخرى، وشُرّع التدخل الأمريكي لتحرير العراق، فيما حرّمه آخرون، وحُرم الدخول في الانتخابات هنا وهناك، فيما تم تحليل ذات الأمر في وقت لاحق، بل وجعله البعض واجبا!.

ومؤخرا سمعنا عن فتاوى تبيح إرضاع المرأة لزميلها في العمل لكي يحرم عليها ويتسنى لها أن تعمل معه في مكان واحد! وأحل البعض تقبيل الشباب لبعضهم، لكن الفتاوى الأسوأ ،من وجهة نظرنا، هي تلك التي راح ضحيتها أناس خدموا الأمة بطريقة فريدة، فلا يمكن نسيان المخرج العربي مصطفى العقاد وابنته (رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته) وهو صاحب مشروع حضاري تمثل في تحويل تاريخ الإسلام والعروبة إلى أفلام سينيمائية نابضة بالحيوية، وقد راح العقاد وابنته (وعشرات آخرين) ضحية تفجير إجرامي في أحد فنادق عمان. كذلك لا يمكن نسيان ضحايا عمليات تفجيرية تمت في الأسواق، بل وفي بيوت العزاء، راح ضحيتها المئات، كما يحدث بشكل مستمر في العراق!

ولست أدري ما حاجتنا لفتاوى يتم ابتداعها على عجل لإجازة أو تحريم أمر ما، في عملية يقوم بها (في غالب الأحيان) فرد واحد لا يكون منزها عن نوازع الرغبة، أو الجهل، أو الحقد أو الانتقام!.

مجال عمل القرآن..!

قد يسأل البعض: إذا كنا نميل إلى تحييد القرآن الكريم عن أن يكون له دور في حلّ الخلافات، أو عن أن يكون له دور في واقع المسلمين.. أفلا يعتبر هذا رفضا لحكم الله؟!

والجواب هو كما يلي:

نحن لا نرفض حكم القرآن، بل نرغب في أن يكون للقرآن الكريم دوراً قانونياً واضحاً في حياة المسلمين يكون بعيدا عن نزوات الحكم والتحكم، ونرغب في وجود عملية تقنين دستورية للقرآن الكريم بحيث يتحول من خلالها إلى دستور قانوني محدد المرامي والمضامين، ما عدا ذلك فيجب منع الناس العاديين (وبضمنهم الأحزاب والتنظيمات من أصحاب المصالح والأهواء) من الاضطلاع بهذه المهمة!.

والسؤال الهام الآخر: هل يمكن لأفعال الناس أن تدور في فلك غير فلك القرآن الكريم؟

والجواب هو: يجب على المسلم المعاصر أن يحدد خط تماس حياته مع القرآن الكريم بشكل واضح، فالقرآن الكريم يجب أن يتحول إلى دستور وناظم قانوني لحياة المسلمين يحتكمون إليها في المؤسسات المتخصصة كدور القضاء وليس في الحارات والشوارع والأسواق! ما عدا ذلك يجب أن تبقى أفعال الناس في إطار بشري إنساني بحت، فيمكن لمن شاء أن يتخذ ما يشاء من الأفعال والسلوكيات في ضوء قوانين السياسة والاجتماع دون أن يكون من حقه إضفاء قداسة على تلك الأفعال..

وفي اعتقادنا بأن المسلم المعاصر لو نحى هذا المنحى فسيتمكن ساعتها من أن يعيد تلاحمه مع الحياة بعد أن طال انسحابه منها بسبب فهمه السقيم للقرآن والإسلام!

ثقافة أساسها التراكم!

وفي ختام مقالنا نكاد نخلص إلى مجموعة من الأفكار الجوهرية، والتي تشير إلى أن طريقة تعامل المسلمين مع القرآن الكريم شابها الكثير من العيوب التي أتاحت للكثيرين (من غير أصحاب الحق بالنظر في القرآن الكريم) أن ينظروا فيه وأن يخرجوا بأحكام قاموا بتطبيقها فكانوا الخصم والحكم في نفس الوقت!.

والسؤال الجوهري هو: لماذا تدوم هذه الحالة في الواقع الإسلامي؟

الجواب يكمن في طبيعة الثقافة الإسلامية التي تديم بقاء الداء، فهي تشجع على نمط غير سليم من أنماط التعامل مع القرآن الكريم أساسه إعلاء الجانب الكمّي المتمثل في التشجيع على حفظ القرآن الكريم حتى ولو بدون فهم! فيما لم تشجع تلك الثقافة التعامل النوعي الراقي والواعي مع النص، ولسان حال واقعنا هو ما تنزل في حق بني إسرائيل من قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(الجمعة:5)

ولا أجد أفضل من هذه الآية لأختم بها مقالي هذا، فنحن لازلنا نحمل القرآن كمثل الحمار يحمل أسفارا، ولعل حمل آيات القرآن الكريم بهذه الطريقة فيه شيء من تكذيب المسلمين بالمهمة التي كان مقدراً أن يتصدّى لها القرآن في حياة المسلمين، لذا فإن المأساة تتكرر، وأحوالنا العقيمة تستمر.. والله لا يهدي القوم الظالمين!

غزة - باحث الفلسطيني
swairky@hotmail.com

 

 

تحضير للطباعة أرسل عنوان هذه المادة الى صديق إنشاء ملفpdf من الخبر

القائمة الرئيسية

الشرعة الدولية

قواعد النشر في الموقع

آخر المقالات

حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي (23+24)

لصالح سوريه حرة وديمقراطيه - د. نصر حسن

اليوم التاسع - د. أحمد أبو مطر

د. هايل نصر - الآخرون وبناء الديمقراطية ( 2)